فخر الدين الرازي

104

شرح عيون الحكمة

تكون متلاقية بالكلية ، أو لا بالكلية . والقسمان باطلان ، فبطل القول بكونها متلاقية . وانما قلنا : انه يمتنع أن تكون متلاقية بالكلية لوجوه : الأول : ان الجزءين إذا كانا متلاقيين بالكلية ، وجب أن ينفد كل أحدهما في كل الآخر ، وحينئذ لا يكون مقدار المجموع منهما زائدا على مقدار كل أحد منهما ، والا لم يحصل النفود بالكلية . فإذا جاء ثالث ولقيهما فهو أيضا ينفد فيهما ، فلا يكون مقدار مجموع الثلاثة زائدا على مقدار الواحد . وبهذا الطريق وجب أن لا يحصل من اجتماعهما زيادة في الحجم والمقدار ، وحينئذ لا تكون هذه الأشياء العظيمة في المقدار والحجم مؤلفة منهما . الثاني : أن الاثنين منهما إذا تلاقيا بالكلية ، فحينئذ لا يبقى أحدهما متميزا في الإشارة الحسية . وهكذا القول في جميع الأجزاء ، فوجب أن لا يحصل من تلاقيهما شئ تحصل فيه أجزاء وجوانب ، متمايزة في الإشارة الحسية . الثالث : أنهما إذا تداخلا فلا امتياز بينهما بحسب الماهية ، ولا بحسب لوازمها ، ولا بحسب عوارضها أيضا . لأنهما لما تداخلا : فكل عارض يعرض حصوله ، كان ذلك العارض بالنسبة إلى أحدهما ، كهو بالنسبة إلى الآخر ، فيصير ذلك العارض مشتركا بينهما . والمشترك بينهما لا يوجب امتياز أحدهما عن الآخر . وهذا يقتضى أنها إذا تداخلت أن لا يبقى بعضها ممتازا عن البعض في نفس الأمر . وإذا كان كذلك ، فحينئذ يرتفع التعدد ، فيصير الكل واحدا . فيلزم أن يكون الجسم العظيم المؤلف من تلك الأجزاء في حجم الجزء الواحد ، وأن يكون جزءا واحدا في نفس الأمر غير قابل للقسمة . وذلك محال . الوجه الرابع : انه لو جاز تداخل الجزءين منها ، لجاز في الأزيد فالأزيد ، حتى لا يمتنع دخول الجبل الصلب في حيز جوهر فرد . وهو محال . فثبت بهذا : أن كون الأجزاء التي لا تتجزأ متلاقية بالأسر ، محال .